ابن أبي الحديد
70
شرح نهج البلاغة
حقيقته تعالى ، والسجعة الأخرى تعطى هذا المعنى أيضا من غير زيادة عليه ، وهي قوله عليه السلام ( ولا إياه عنى من شبهه ) ولهذا قال شيوخنا إن المشبه لا يعرف الله ، ولا تتوجه عباداته وصلواته إلى الله تعالى ; لأنه يعبد شيئا يعتقده جسما ، أو يعتقده مشابها لبعض هذه الذوات المحدثة ، والعبادة تنصرف إلى المعبود بالقصد ، فإذا قصد بها غير الله تعالى لم يكن قد عبد الله سبحانه ولا عرفه ، وإنما يتخيل ويتوهم انه قد عرفه وعبده ، وليس الامر كما تخيل وتوهم . وثالثها قوله عليه السلام ( ولا صمده من أشار إليه ) أي أثبته في جهة ، كما تقول الكرامية الصمد في اللغة العربية : السيد . والصمد أيضا الذي لا جوف له ، وصار التصميد في الاصطلاح العرفي عبارة عن التنزيه ، والذي قال عليه السلام حق ، لان من أشار إليه - أي أثبته في جهة كما تقوله الكرامية - فإنه ما صمده ، لأنه ما نزهه عن الجهات ، بل حكم عليه بما هو من خواص الأجسام ، وكذلك من توهمه سبحانه ، أي من تخيل له في نفسه صورة أو هيئة أو شكلا ، فإنه لم ينزهه عما يجب تنزيهه عنه . ورابعها قوله ( كل معروف بنفسه مصنوع ) ، هذا الكلام يجب أن يتأول ، ويحمل على أن كل معروف بالمشاهدة والحس فهو مصنوع ، وذلك لان الباري سبحانه معروف من طريقين : إحداهما من أفعاله ، والأخرى بنفسه ; وهي طريقة الحكماء الذين بحثوا في الوجود من حيث هو وجود ، فعلموا انه لا بد من موجود واجب الوجود ، فلم يستدلوا عليه بأفعاله ، بل اخرج لهم البحث في الوجود انه لا بد من ذات يستحيل عدمها من حيث هي هي . فان قلت كيف يحمل كلامه على أن كل معروف بالمشاهدة والحس فهو مصنوع وهذا يدخل فيه كثير من الاعراض كالألوان وإذا دخل ذلك فسدت عليه الفقرة الثانية ،